مرحبا بكم في موقع الكنتاوي زين العابدين

02 décembre 2007

الثقافة الحسانية

الهوية الثقافية، هي تعبير عن الحاجة إلى الاعتراف والقبول والتقدير للإنسان كما هو في تفرده وتميزه. ففي الهوية الثقافية تشتغل جدلية الذات والآخر وتعيد كل جماعة بشرية تأويل ثقافتها من خلال اتصالاتها الثقافية، أو قد تنزع نحو المثاقفة-Acculturation وما يشبهها.. وهي كذلك كائن جماعي حي يتحول ويتغير من الداخل على ضوء تغير المصادر القيمية والسلوكيات، ومن الخارج بفعل أشكال التأثير الخارجي الناتج عن علاقة الفرد بالمحيط.. وأيضا “كيان يصير، يتطور، وليست معطى جاهزا ونهائيا. وهي تصير وتتطور، إما في اتجاه الانكماش وإما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، بانتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما “، بتعبير د.عابد الجابري.
إنها الحد المكتسب من المعارف والتصورات والممارسات الفكرية لدى الإنسان في محيطه الاجتماعي، والتي تلقاها لمصلحته ومصلحة هذا المحيط..(1)..
والهوية الثقافية والحضارية لأمة من الأمم، هي القدر الثابت والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات والتي تجعل للشخصية الوطنية أو القومية طابعا تتميز به عن الشخصيات الوطنية والقومية الأخرى(2)..
ولأنها تختزل بإدراكها، فإن الهوية الثقافية تمثل مسارا متحولا-mutatif من الخبرات المعاشة والمستمرة التي تتحكم في عناصر الثبات والتغير في تأويلات الأفراد والجماعات لواقعهم من خلال تبادلهم الثقافي والمعرفي، الأمر الذي يعطي الفرد الشعور بأنه يتبدل في تواصله مع الآخر مع الحفاظ، في الآن نفسه، على ذاتيته كما يقول ذ. سليم عبو.
ووفقا للعديد من الدراسات السوسيولوجية والأنتربولوجية التي تتفق على كون الهوية تعد معطى اجتماعيا يقوم على مبدأ التطابق والانسجام ويحمل دلالات التنوع والتكامل والاختلاف، فإن الهوية تشتغل في التراث الثقافي الصحراوي كشرط وكمناخ. فهي سند الإبداع وشرط الإحساس بالذات والانتماء، بل هي التعبير الصادق عن الذات في أقصى درجات انتشائها واحتفالها، هي بذلك تغدو منطلقا وطريقا وهدفا.. إنها ترتكز على شعور غريزي بالانتماء والمحلية وتظهر ملازمة للثقافة الخاصة في حدود ملامحها الأصلية والأهلية التي تشكل حاملا للهوية الجماعية، أي الهوية القائمة على الإرث الثقافي والسلالة المشتركة (غيرتس 1963).. ومن ثم، فهي تساعد على اكتشاف النسق البنياني للمجتمع حتى يتحول إلى كل منسجم على مستوى الوعي (3)..
تأسيسا على ذلك، تبدو الهوية في الثقافة الشعبية الصحراوية مكتفية بذاتها بشكل يجعلها تتعالى على أحداث التاريخ لأنها مبنية على مبادئ التراث. فهي مركب متجانس من الرموز والقيم والعادات والتقاليد والأعراف الشعبية التي تحتفظ بطابعها الخاص والاستثنائي، لذلك فهي هوية وطنية قائمة الذات. ولأنها كذلك، فلأنها ” تعني إيجاد التطابق أو التوافق، أو التوازي بين الكتلة الاجتماعية ديموغرافيا ورقعتها الجغرافية هي التي تمارس عليها نتاجها الاجتماعي، وتعبر من خلالها عن نفسها عبر نمطها الثقافي الخاص بها” (4)..
الثقافة الشعبية الصحراوية مطلقة الدلالة على الهوية والذات، ويجب أن تكون مطلقة، غير أن إطلاقيتها تعد قانونا متضمنا ومضمنا يختزل في عمقه ثوابت كثيرة راسخة تستعصي على التغيير وتنفلت من فعل التاريخ وعصيانه. ثقافة شعبية مستمدة من ماض عريق يستمر فاعلا في الحاضر.. وحاضر متحول يقبل التراكم الثقافي الموروث الذي يرسم ملامح الأنا والهوية والعلاقة مع الآخر..
إن الهوية – إضافة إلى ذلك- مسؤولية واختيار لا يخضعان سوى لسلطة الفكر والثقافة. ومن ثم فإن إرادة الهوية داخل سياقها الإبداعي الإنساني، فيها من القصدية قدر ما فيها من انبثاق عفوي منبجس من ينابيع باطنية في النفس تصعد من الوعي الصاحي ومن صلب الحياة..
الهوية في الثقافة الشعبية الصحراوية، من التيمات الأساسية ومن الحيوات التي تتسلل دائما عبر فجوات الإبداع وتسيطر عليه، لتصبح بذلك الذات والهوية شرط وجود.. ويتم التعبير عن هذه الهوية من خلال الأشكال الثقافية والمظاهر الاحتفالية والمعتقدات الشعبية والطقوس الدينية ومختلف التعبيرات الشفوية والمسارب الأدبية التي راكمها المجتمع الحساني على امتداد تاريخه الثقافي العريق..
فليست الثقافة، من هذه الوجهة، ” كتلة جامدة من المعارف، أو القيم، أو المعاني، أو الرموز، أو العادات، أو القواعد، بل هي الآليات والفعاليات المعقدة والمتباينة التي تسمح بنشوء هذه المعارف وتخلقها. ومتى ما فقدت الثقافة ذلك، تحولت إلى تراث، أي إلى أثر من آثار الماضي.. وتحول البحث فيها إلى بحث في التراث، حتى لو وسع المرء في معنى التراث ليشمل ما بقي منه حيا في سلوك الأحياء وعاداتهم اليومية” (5).. كما أنها تعد معطى فاعلا يلعب دورا بارزا في توحيد الهوية – mono-identification مادامت تسعى إلى اعتماد مبدأ الهوية الواحدة لتحديد الهوية الوطنية..
وبالنظر إلى الخصوصيات الكثيرة التي تسم المجتمع الصحراوي (نمط البداوة، ثقافة الرحل..)، فإن أية مقاربة متحفية-Muséographique لسؤال الهوية في التراث الثقافي الصحراوي، تظل جامدة ولا تسمح بالتعرف على المكانة الحقيقية التي تحتلها هذه الثقافة داخل المنظومة التراثية الشاملة التي نسجها المخيال الشعبي الحساني بالصحراء..خصوصا في ارتباطها بالتحولات الاجتماعية التي ترسمها العديد من القيم والسلوكيات والمعتقدات المشتركة التي يتلقنها الفرد داخل الجماعة (6)..
فالثقافة الشعبية الصحراوية إنجاز كمي يتفاعل مستمرا في الزمان/التاريخ والمكان/الجغرافيا، ورصيد حضاري متنوع يستمد قوته وعظمته من قدرته العالية على التكيف مع الوسط الذي أنتجه سيرا على النهج الذي سنته مدرسة “الثقافة والشخصية” التي يقودها بواس.. إنجاز قادر على استيعاب مفهوم الحضارة في أفق ثقافتنا الصحراوية المحلية بكل تمفصلاتها وتحولاتها انطلاقا من خصوصياتها البيئية والجغرافية..
بهذا الارتباط مع الوسط الطبيعي، تتصدى الثقافة الشعبية الصحراوية لأي تيار كاسح جارف.. وترفض أي تنميط للقيم والمفاهيم، أو أي تخريب للمكاسب التي راكمها المجتمع الحساني في سيرورته الحضارية والتاريخية وصموده الثقافي الطويل ضد كل استلاب وألينة-Aliénation ، أو أدلجة (قد) تفرضها معايير وأذواق برانية دخيلة على الشخصية الصحراوية، كما ترفض الانصهار داخل أية هوية خارجية يحددها الآخرون(سيمون-1979) ، وذلك نابع من قناعة راسخة داخل الوعي الصحراوي المشترك، هي أن عولمة الثقافة (الاستعمار الجديد) لن ” تلغي اختلاف الثقافات (المحلية)، باعتبار أن كل ثقافة تستوعب على طريقتها مكتسباتها والرسائل الواردة من محيطها. وبعبارة أخرى، فإن كل عنصر يأتي من ثقافة أخرى لا يمكن أن يصبح بضعيا ومستوعبا كما هو، إلا إذا أعيد تفسيره ودمجه بواسطة تصورات وأفكار ووسائل الثقافة المنتقاة “(7). وفي نفس الوقت أيضا، تظل هذه الثقافة تؤمن بالاختلاف والتعددية-Pluralité ومنفتحة على تراث الآخر وتحترم رموزه الدينية والإثنية في سياق التلاقح والتثاقف الإيجابي اعتبارا لأن المكان الحقيقي للثقافة هو التفاعلات الفردية على حد تعبير سابير- Sapir (1921)، الذي يعد من الأنتربولوجيين الأوائل الذين عدوا الثقافة منظومة اتصال بيفردية (بين الأفراد)..
إلا أنه ” بدون هوية ممتلئة بمقوماتها، يكون الانفتاح على الثقافات الأخرى، خاصة المهيمنة منها، مدعاة للانزلاق نحو الوقوع فريسة للاستلاب والاختراق” (8).. وهذا ما يسعى إنسان الصحراء إلى تفاديه ليظل كما هو-En tant que tel عبر تخلصه من أصفاد العولمة التي تقتل الخصوصيات والأقليات، وتمحي الاختلاف، ومقاومته (أي إنسان الصحراء) لكل تدجين ساع إلى تدمير مناعته الثقافية(9)..

2- مكونات الهوية الثقافية الصحراوية :

يشكل الهوية الثقافية الصحراوية الكثير من العناصر البنيوية المرتبطة بفضاء وإيقاع العيش بالبادية..فضلا عن الإبداعات والعوائد والطقوس الشعبية والاحتفاليات الاجتماعية والدينية التي ترسم في غناها وتعددها هوية الإنسان الحساني..ومن ذلك الوسط الطبيعي، أي الصحراء (10) بوصفها مكانا حميميا رحبا.. ومجالا واسعا وممتدا من الرمال والقيظ والغبار والعوسج والندا.. بل امتدادا جغرافيا ضاربا في أعماق المدى.. وذاكرة منفتحة على تاريخ عريق يختزل أشكالا متنوعة من القيم والخبرات الإنسانية الموغلة في القدم..
أليست الصحراء متاهات لا حدود لها.. أو هي فضاء سانح لتخضيب الحواس، كما يقول أندريه جيد - André Gide.. كل شيء في الصحراء عبارة عن امتدادات متصلة.. ولعل ذلك ما يعكس شدة الميل نحو الحرية والانفلات عند الإنسان الصحراوي والذهنية غير المركبة التي تنظر إلى الكلي من دون حواجز.. (11)..
هناك، بالصحراء، حيث الذرعاوات وتلال الرمل الناعمة مثل الزبد ودبيب الأفاعي.. وحركة السحالي التي ترسم آثارها على الرمال التي سرعان ما تنمحي بفعل حركة الرياح..
هناك بالصحراء.. على رخاء الرياح تتهادى الإبل في خطواتها بكبرياء مستحق.. والشمس الحارقة ترسل أشعة العطش التي لا ترتوي..
والصحراء – من منظور الروائي الليبي ابراهيم الكوني- هي الأصل والانتماء والانبعاث والتجدد والاستمرار.. بل هي رمز الحرية والانعتاق من قيود التبر وحضارته.. هي الطهر والقداسة بعينها..
هي ذي الصحراء، بهدوئها وغضبها.. وصفائها وعتمتها، تبسط السكينة والهدوء والدعة والصمت.. وتحتضن بدو رحل يحملون معهم حكاياتهم وأساطيرهم أينما ذهبوا.. وهو ذا الإنسان الصحراوي/الحساني الذي لا يجد روحه إلا في الصحراء.. والذي تضيق به الروح كلما اتجه نحو المدينة..
وللصحراء - كما يعبر عن ذلك ذ.أمير عبد المنعم – مذاق خاص لا يعرفه إلا أهلها. فتبر الرمال الأصفر وزمرد السماء الأزرق عندما يتحدان عند خط الأفق لا يميز الناظر أيهما يغرق في لجة الآخر.. فالموج الرملي علم الإنسان كيف يبحر.. كيف يشعر.. كيف يفيض وفاء وحنينا.. وكيف يستخدم حواسه الكامنة في الاهتداء بالنجم..
في ليالي الصحراء الجميلة التي يضيئها نور القمر/الوجد الإلهي، تسرد الحكايات الشعبية وقصائد الشعر الحساني على الرمال الدافئة.. تحكى ولا تكتب لأنها محفوظة في ذاكرة البدو..
داخل هذا الفضاء الرحب، يعيش الإنسان الصحراوي على إيقاع نمط عيش بدوي متنقلا يرعى الماشية (الغنم، الماعز، الإبل..)التي تشكل ملكيته الرئيسية، أو على الأصح رأسماله الحقيقي كما يقول الأستاذ كابوت ري-Capot Rey(12) إلى جانب قيامه بمناشط اقتصادية أخرى كالتجارة والزراعة والصناعات اليدوية التي تعتمد الخامات المحلية كسعف النخيل والتربة والأحجار وما توفره الحيوانات من مواد كصوف الغنم وشعر الماعز ووبر الإبل.. وغير ذلك..
إلا أن البداوة بمستواها الرعوي، تبقى النمط الرئيس للعيش بالصحراء، وهذا أمر طبيعي مادامت تمثل استجابة حتمية للظروف الطبيعية المميزة للمكان (الجفاف، ندرة الماء، توالد الحشرات القارصة والقوارض السامة الناقلة للأمراض وقلة الأملاح في التربة الرملية..)..
فالبدو والبادية والبداة والبداوة (13) بمعنى واحد من بدا، التي يعود فيها الأصل الاشتقاقي إلى المصطلح الإغريقي Nomas الذي يعني الترحال والتجوال وعدم السكن والاستقرار.
والبداوة مفهوم أساسي باتت تنهض عليه الأنتربولوجيا الثقافية، أو الإناسة البنيانية كما حددها مؤسسها ليفي ستراوس في مؤلفه المشهور الذي يحمل نفس الإسم. فهي تطلق على قوم من الناس يصنفون ضمن تنظيم قبلي أو عشائري، ولهم طقوس وأعراف وأنماط سلوكية تميزهم عن غيرهم من التجمعات البشرية، وذلك ضمن تراتبية اجتماعية خاضعة لنظام القبيلة.. أو العشيرة..

Posté par 3abidin à 13:46 - - Commentaires [0] - Permalien [#]